محمد بن جرير الطبري

112

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إِرَمَ الهالك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ يعني بالإرم : الهالك ؛ ألا ترى أنك تقول : أرم بنو فلان . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بِعادٍ إِرَمَ الهلاك ؛ ألا ترى أنك تقول : إرم بنو فلان : أي هلكوا . والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إن إرم إما بلدة كانت عاد تسكنها ، فلذلك ردت على عاد للاتباع لها ، ولم يجر من أجل ذلك ، وإما اسم قبيلة فلم يجر أيضا ، كما لا يجرى أسماء القبائل ، كتميم وبكر ، وما أشبه ذلك إذا أرادوا به القبيلة . وأما اسم عاد فلم يجر ، إذ كان اسما أعجميا . فأما ما ذ كر عن مجاهد ، أنه قال : عني بذلك القديمة ، فقول لا معنى له ، لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضا بالتنوين ، وفي ترك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعت ولا صفة . وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي : أنها اسم قبيلة من عاد ، ولذلك جاءت القراءة بترك إضافة عاد إليها ، وترك إجرائها ، كما يقال : ألم ترما فعل ربك بتميم نهشل ؟ فيترك إجراء نهشل ، وهي قبيلة ، فترك إجراؤها لذلك ، وهي في موضع خفض بالرد على تميم ، ولو كانت إرم اسم بلدة أو اسم جد لعاد لجاءت القراءة بإضافة عاد إليها ، كما يقال : هذا عمر وزبيد وحاتم طيء وأعشى همدان ، ولكنها اسم قبيلة منها ، فيما أرى ، كما قال قتادة ، والله أعلم ، فلذلك أجمعت القراء فيها إرم على ترك الإضافة ، وترك الإجراء . وقوله : ذاتِ الْعِمادِ اختلف أهل التأويل في معنى قوله : ذاتِ الْعِمادِ في هذا الموضع ، فقال بعضهم : معناه : ذات الطول ، وذهبوا في ذلك إلى قول العرب للرجل الطويل : رجل معتمد ، وقالوا : كانوا طوال الأجسام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ذاتِ الْعِمادِ يعني : طولهم مثل العماد . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد قوله : ذاتِ الْعِمادِ قال : كان لهم جسم في السماء . وقال بعضهم : بل قيل لهم ذاتِ الْعِمادِ لأنهم كانوا أهل عمد ، ينتجعون الغيوث ، وينتقلون إلى الكلأ حيث كان ، ثم يرجعون إلى منازلهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : الْعِمادِ قال : أهل عمود لا يقيمون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ذاتِ الْعِمادِ قال : ذكر لنا أنهم كانوا أهل عمود لا يقيمون ، سيارة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ذاتِ الْعِمادِ قال : كانوا أهل عمود . وقال آخرون : بل قيل ذلك له لبناء بناه بعضهم ، فشيد عمده ، ورفع بناءه . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ قال : عاد قوم هود ، بنوها وعملوها حين كانوا في الأحقاف ، قال : لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل تلك الأعمال في البلاد . قال : وكذلك في الأحقاف في حضر موت ، ثم كانت عاد ؛ قال : وثم أحقاف الرمل كما قال الله بالأحقاف من الرمل ، رمال أمثال الجبال ، تكون مظلة مجوفة . وقال آخرون : قيل ذلك لهم لشدة أبدانهم وقواهم . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ذاتِ الْعِمادِ يعني : الشدة والقوة . وأشبه الأقوال في ذلك بما دل